قناة حكايات تونسية منسية

قناة حكايات تونسية منسية الهدف من هذه القناة هو محاولة جمع وسرد بعض الخرافات والأساطير الحضرية التونسية التي من الممكن أن تنسى.
(398)

من مأثر الأمير المؤسس حسين الاول بن علي صاحب مملكة تونس في مدينة القيروان لقد عرف عهد مراد الثالث الملقب بـ"مراد بوبالة"...
09/08/2026

من مأثر الأمير المؤسس حسين الاول بن علي صاحب مملكة تونس في مدينة القيروان

لقد عرف عهد مراد الثالث الملقب بـ"مراد بوبالة" عهدا دمويا ملؤه الخراب الحقد على اهل البلد بل و على كل من قابل الأمير في اي حال من احواله ان كان سعيدا فانه يعبر عن سعادته بالقتل و التعذيب وان كان غضبانا فالأمر أتعس و اعسر على من كان عليه الدور و لم ينجو من سمه لا شيخ و لا طفل و لا حرم و لا مقام و في السياق فقد قام بتدمير عدة اماكن من بينهم مدينة القيروان فقد تركها خاوية على عروشها و اجلى سكانها لا يلوون على شيء جراء الجور و البطش الذي نالهم منه ولم تعرف هذه المدينة عمارا بعد الخراب الذي طالها الا مع طلوع شمس الأمير حسين بن علي مؤسس الدولة الحسينية الذي كسر شوكة الجزائريين و حد من جور القبائل و اعاد اعمار البلاد وفي هذا السياق يسترسل محمد الصغير بن يوسف التركي في ذكر محاسن هذا الملك في هذه المدينة
فـ"بعد بضعة أيام من توليه الحكم، انطلق حسين باي مع محلة الشتاء، وفقاً لعادات الأمراء الذين سبقوه. وصل إلى القيروان دون أن يُتوقع وصوله، فلم يجد فيها سوى مدينة مليئة بالركام والأنقاض، تبكي على حدائقها المدمرة و تتأوه على معالمها وقصورها المهجورة.
فنظر إليها بعين العناية وأحاطها بذراع إحسانه حيث بدأ بإعادة بناء سورها، وكرّس لهذا العمل كل عنايته وجهده ونشاطه.
كانت النفقات الهائلة التي سخرت لهذه البناءات مدفوعة من أمواله الخاصة، ولم يساهم فيها أي شخص آخر بأي قدر كان ولو ضئيل ! .
لقد تكفل بكل شيء، بما في ذلك أجور العمال والمهندسين؛ وقد انتهى هذا العمل في غضون عام؛ وعلى الرغم من هذه المدة القصيرة، إلا أنها تحفة فنية، ولم تشهد المدينة من قبل أسواراً مماثلة. ومن قبيل الصدفة العجيبة، كان يوم عرفة هو يوم بدء البناء، وهو نفس اليوم الذي هُدمت فيه المدينة على يد مراد بوبالة الذي كان سببا في خرابها
بعد ذلك، انشغل بإعادة إعمار المدينة وإعادة الحياة إلى مساجدها، وأحياءها، ومنازلها، ودكاكينها، وأسواقها. فاستقطب إليها سكاناً من جميع البلدان، استقروا فيها وأقاموا مباني متقنة لدرجة أنها غيرت مظهرها بالكامل. فإعمرت المدينة بشكل ملحوظ واستعادت ازدهارها القديم. وكانت هذه أيضاً مناسبة لنفقات باهظة تكبدها بنفسه للحصول على الجزاء الإلهي.

وفي القيروان، قام الأمير حسين بن علي بترميم أكثر من خمسين مسجداً، ولم يقتصر على إصلاحها، بل زودها بالحُصُر، والزيت، وما شابه ذلك، مما ضمن صيانتها لتبقى مأهولة بالرواد.
ولا يمكن إحصاء قبور الأولياء والزوايا التي رمّمها وأدخل عليها ترتيبات جديدة. وهکذا، أعطى تصميماً جديداً للمُصلى ،لتتفرد المدينة بذلك عن الخراب الواقع خارج المدينة.
وقد أمدّ سقاية هذا المُصلى بالمياه لتكون نافعة للمسلمين. ثم اشترى بماله الخاص، للغرض نفسه، ثلاثة آبار مياه عذبة مع مشاربها، وجهز هذه الآبار بآلات لرفع المياه، وعيَّن عدداً من الأشخاص لصيانة هذه المنشأة. وخصّص لصالح هؤلاء الأشخاص وقْفاً (حبساً) ورصد اعتمادات لصيانة هذه الآبار، لتبقى هذه المؤسسة قادرة دائماً على تقديم الخدمات للفقراء والمحتاجين.
كما قام بإصلاح، من أمواله الخاصة، السقاية المنسوبة إلى يوسف باي، الواقعة في سوق الساحة، وأمّن تزويدها بالمياه. كانت هذه النافورة قد دُمرت، فأعاد بناءها لتكون أجمل مما كانت عليه. فلم يفوت أبداً يوماً أو ليلة دون أن يوسمها بعمل خيرٍ جديد.
ويُعزى إليه بناء وافتتاح المدرسة الجديدة، وهي الأكثر أناقة وجمالاً في المدينة. فقد أسس فيها درسين، يُقام أحدهما في الصباح والآخر في نهاية اليوم. ووُضِع في هذه المدرسة أستاذ مكلف بتعليم القرآن للأطفال المسلمين، وشيخ لقراءة القرآن.
ثم بنى جوارها، للتجار، سوقين مع عدة من الدكاكين، والتي جُعلت تحبيساً (وقفاً) لصالح المدرسة، بالإضافة إلى عقارات أخرى مبنية وغير مبنية. وتم تخصيص إعانات أو مرتبات أكثر من كافية لصيانة الطلاب وأستاذ قراءة القرآن."

Bouchrif Ash

التحالفات العائليه والصراع على السلطه زمن الدايات .  بعد ان استقر الامر للضباط العثمانيين اثر طرد الاسبان والاطاحه بالسل...
29/07/2026

التحالفات العائليه والصراع على السلطه زمن الدايات .

بعد ان استقر الامر للضباط العثمانيين اثر طرد الاسبان والاطاحه بالسلاله الحفصيه الحاكمه لما يزيد عن ثلاثه قرون في تونس التاريخيه وجد هؤلاء الحكام الجدد صعوبه في الانخراط في المجتمع التونسي نخص بالذكر هنا مجتمع مدينه تونس وبعض الحواضر الاخرى مثل سوسه وصفاقس التي تتشابه مع مدينه تونس في النمط السوسيولوجي ،وذلك نظرا للفوارق الاجتماعيه والتاريخيه والثقافيه ايضا بين الحاكم والمحكوم فلقد انقلبت الايه مع هؤلاء الصقالبة الذين كان يراهم التونسيون كخدم وعبيد مغلوب على امرهم مستجلبين يعملون ويتم استغلالهم من جميع النواحي لفائده هذه العائلات بعد ان يتم اشتراؤهم بالاموال من اسواق النخاسه مثل سوق البركه الشهير او سوق فزان او اسواق اخرى تنتمي الى اراضي السلطنه مثل سوق منطقه ايت توات في القطر الجزائري حاليا .
وهي كلها عوامل ساهمت في زرع نوع من المداهنه مع استبطان السوء تجاه هؤلاء السكان الجدد والذي جعلهم يتفانون في محاولاتهم للاندماج واكتساب الوجاهة بين هذه العائلات العريقه والمعتبره في اوساطها الحضريه وبهذه المناسبه فلقد كان يختار كبار ضباط الجيش الانكشاريه المتمركزين في تونس وأصحاب المناصب السياسية زوجاتهم من العائلات النافذة في البلد .

ولعل أبرز حالة ستفضي إلى سلالة ملكية قوية ستحكم البلد لاحقا، هي حالة الوالي العثماني الشهير "عثمان داي" الجد الامومي للسلاله المراديه والتي سوف تحكم البلد لما يزيد عن 93 سنه لاحقا ، و الذي تحالف مع عائلة "الزّهاني"، وهي عائلة عريقة من كبار العائلات " البلْديّه " في مدينه تونس تنسب الى فئه الارستقراطيه الحضرية التي سكنت مدينه تونس من ايام العهد الحفصي .

وقد أسفر هذا التحالف عن انجاب عثمان داي لابنة واحدة على الأقل من نسل هذه العائله ، زوّجها الداي لإبنه الروحي و ربيّيهِ يوسف داي.

إذ تُشير وثائق الارشيف الوطني التونسي العائدة للقرن السابع عشر إلى امراه نعتت بلقب تشريفي "الحر الشريفه الخانو عائشة بنت مسعود الزهاني" ( ولفظ الخانو لقب تركي عثماني hanim تشريفي ) والتي حبست أملاكاً لصالح مسجد القصر بتونس. وهي الزوجة الأولى لعثمان داي و تنتمي إلى نفس عائلة الأعيان هذه، والمؤسسة للأحباس.
أما الزوجة الثانية لعثمان، وهي "لطيفة" التي تذكر المصادر التاريخيه تدخلها في أعمال فداء الأسرى لصالح أبي الغيث القشّاش، فهي ابنة الشيخ محمد كشور؛ وهذا الأخير عالم مقرب من الولي القشاش ويشارك في شؤونه الاقتصادية.
وقد دخل عثمان في زيجات أخرى ظلت غامضة وغير محددة. وعندما توفي، ترك ابنتين وأربعة أبناء.

ومن خلال زواجيه المعروفين، يبدو ان عثمان داي سعى لتوريث سلطته اذ خَصَّ يوسف الذي عُيّن ضمنياً دون اعلانا لخلافته بيد ابنته الزّهانيه ذات النسب العريق .

غير أن الرياح لم تسري كما تشتهي سفن عثمان داي فلقد تراجع يوسف داي عن زواجه المقرر بناءً على مشورة مستشاره "علي ثابت" القاضية بعدم الزواج من ابنة عثمان .

إذ لم يكن علي ثابت يرغب في أن تتعزز مكانه عائلة الزهاني الاجتماعيه اكثر باعتبارها عائلة جد الاميره العثمانيه الخطيبة حيث راى ان الزهانية سوف يصبحون شركاء في السلطه وستصعب منافستهم كعائله وجيهة في البلد تعتبر منافسه للشيخ علي ثابت قد تمنعه من بلوغ مآربه السلطوية وليضمن بذلك أن يكون هو الرجل النافذ الوحيد.

وبالفعل، سيحتل الشيخ علي ثابت مكانة عظيمة في الحياة السياسية للإيالة التونسية حتى وفاته سنة 1631، بل إنه بات الرجل الأكثر قوة في الدولة ولتحقيق ذلك، لم يكتفِ علي ثابت بإبعاد كل الشخصيات التي يمكن أن تشكل خطراً عليه، بل إنه وضع نفسه في قلب السلطة عبر تزويج بناته لرجال نافذين في الدولة.

و في المقابل و بناءً على نصيحة "علي ثابت"، اتخذ يوسف داي محظيات بدلا من الزواج الشرعي، وقد سمحت لنا المصادر بتحديد واحدة منهن تُدعى "قمر"، وهي كورسيكية الأصل وشقيقة المرتد يوسف كورسو ، والتي أنجبت للداي ابنه محمداً. أما أطفال يوسف داي الآخرون: أحمد، مصطفى، وفاطمة، فلا نعرف هوية أمهاتهم.

تم التصرف والنقل من مؤلف تحت سقف الامبراطوريه للسيده ليلى التميمي
Écrit By Bouchrif Ash

الحركة الشابية و السلطة لقد تحولت  الحركة الشابية في بداياتها من مجرد تيار صوفي عابر في خضم ازدهار الحركات الصوفية و اشت...
24/07/2026

الحركة الشابية و السلطة

لقد تحولت الحركة الشابية في بداياتها من مجرد تيار صوفي عابر في خضم ازدهار الحركات الصوفية و اشتهارها في البلاد في ذلك الوقت الى حركة سياسية متضحة المعالم تطالب بالاستقلال بجزء من السلطنة الحفصية بطموح يمتد للسيطرة على كامل اراضي السلطنة بازاحة آخر سلاطينها عن العرش و ذلك حتى قبل أن يندلع الصراع بين "الشابية" والحفصيين في وضح النهار، أي بدءاً من عام 1535 فلقد كانت السلطة المركزية تشعر بالقلق من نفوذ الطريقة، ومن صيتها وشيوع ثرائها. أما هيئة "العلماء" من حاشية السلطان فقد استشاطت غيظاً من السمعة التي اكتسبها عرفة الشابي ابن مؤسس حركته الصوفية ، ذو الأصول الغامضة بالنسبة لهم والذي كان يخاطب الرعاع و حطام القوم من المستضعفين. و في المقابل كان المجتمع القيرواني القديم ينظر بذهول الى الصعود الصاعق لهذا الرجل الذي احتل كامل الفضاء الحضري؛ وذلك بسبب كثرة الأتباع الذين يأتون لزيارته، والذين تتزايد أسعار المواد الغذائية بسببهم ، بل ويصل الأمر إلى حد انقطاع اللحوم تماماً من السوق نتيجة استهلاكهم الكبير لها كما اشار الى ذلك صاحب المؤنس . من جهة أخرى، كان نجاح الطريقة، وبخاصة الطريقة الغريانية الأقدم منها، التي لم تفتأ توجّه التهديدات ضد الدخلاء من البدو بما فيهم عرفة نفسه قد أثار حفيظة "عرفة". كما كان "عرفة" يوجه انتقادات لاذعة على مبادئ هؤلاء، شأنه في ذلك شأن صوفيين آخرين، مثل "عمر الكماّد القسنطيني" (المتوفى عام 1552)، صاحب رسالة تنديد بالطريقة الشابية.
وعندما تنبهت السلطة الحفصية، لم تتوانَ عن البطش بـ "عرفة"، مسلطة عليه شتى أنواع المحن التي قادته إلى السجن في عهد "محمد الحفصي". إن قصة هذا السجن، كما ترويها كتب المناقب لهذا الولي، تحتوي على كل أنواع الأفعال المأثورة. والسبب في ذلك هو الغيرة التي كان يكنها له عالم قريب من السلطة، وهو قاضي العسكر "محمد التونسي"، الذي نجح في إقناع السلطان بوشوك مؤامرة دبرها "عرفة". فتم القبض عليه في القيروان واقتيد إلى تونس. وكل الأشخاص الذين شاركوا في هذه المؤامرة تعرضوا لعقوبات ، ولم ينجُ "عرفة" نفسه. وطوال مدة معاناته، وُضع في الأغلال والسلاسل في قدميه. وقد مكث سبعة أشهر في السجن، ولم يتمكن أي طبيب من علاجه. وعندما أدرك السلطان أنه مريض وأن لا أحد يمكنه إنقاذه، أمر بإطلاق سراحه. وبعد أن أدرك "محمد الحفصي" أن مرضه كان عقاباً، انتهى به الأمر إلى إصدار أمر بالإفراج عنه. وتتجاوز القصة المروية بهذا السياق المحتوى التربوي الذي أراده المريد، لتكشف عن القلق الذي كان يثيره التوجه السياسي الذي كان يُظن أن "عرفة" يسعى إليه.

متصرف فيه ,مقتطف من كتاب تحت صقف الامبراطورية للكاتبة الباحثة التونسية السيدة ليلى التميمي
Bouchrif Ash

الأندلسيون بين المأساة والإعمار: دراسة مقارنة بين انفلات البادية المغربية والمنظومة العثمانية التونسيةتُمثل الهجرة الأند...
06/06/2026

الأندلسيون بين المأساة والإعمار: دراسة مقارنة بين انفلات البادية المغربية والمنظومة العثمانية التونسية

تُمثل الهجرة الأندلسية القسرية (الموريسكية) في مطلع القرن السابع عشر محطة مفصلية في تاريخ شمال إفريقيا، حيث لم تكن مجرد حركة لجوء بشري، بل كانت في الواقع اختباراً بنيوياً لمدى تماسك الأنظمة السياسية وقدرتها على فرض الأمن واستثمار الطاقات البشرية الوافدة. ويكشف التباين الصارخ بين ما تعرض له الموريسكيون في شمال المغرب الأقصى وما وجدوه في إيالة تونس عن الأثر الحاسم لوجود الدولة المركزية في صياغة مصائر الشعوب.

لقد مرت المملكة المغربية بمرحلة انقسام داخلي في البيت الملكي السعدي في فترة تزامنت مع هجرة الاندلسيين ماجعل المخزن في عجز شبه تام.عن فرض السيطرة و بسط الامان في كل ربوع المعمورة خاصة في البوادي و الارياف الجبلية منها بالاخص ففي شمال المغرب الأقصى، وتحديداً فيما ما يعرف ببلاد الهبط وبادية الريف وسواحل غمارة، واجه الموريسكيون كارثة إنسانية معقدة الأركان .. و لم يكن الجاني هنا قراراً سياسياً رسمياً، بل كان "انحلال سلطة الدولة" ودخول البلاد في أتون حرب أهلية طاحنة بين أبناء السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي على العرش. هذا الفراغ الأمني القاتل جعل قوافل النازحين هدفاً مباشراً لعصابات قطاع الطرق وجفاة الأعراب من قبائل البادية المنفلتة (مثل قبائل الخلط وأهل الفحص).

ولم تقتصر الجريمة على السلب والنهب، بل تجاوزتها إلى فظائع سوسيولوجية مدفوعة بالجهل والشائعات، إذ سرى بين تلك القبائل الجبلية افتراء يزعم أن الأندلسيين قاموا بابتلاع مدخراتهم من الذهب والجواهر لتهريبها من السلطات الإسبانية. وبناءً على هذا الوهم، عمدت تلك العصابات السائبة إلى بقر بطون المهاجرين، رجلاً ونساءً، وشق أمعائهم بحثاً عن المعادن النفيسة، بل ووصل الأمر إلى بقر بطون الحوامل وإخراج الأجنة في توحش جاف عزل الضحايا تماماً عن أي حماية قانونية أو أخلاقية، وهي الحقائق التي وثقها بدقة المؤرخ الموريسكي المعاصر للحدث أحمد بن قاسم الحجري (أفوقاي) في كتابه «ناصر الدين على القوم الكافرين»، ونقلها عنه بدقة المؤرخ أحمد بن خالد الناصري في موسوعته «الاستقصا».

اللأندلسيون بتونس

وفي المقابل، وبفارق زمني وجيز، كانت تجربة اللجوء الأندلسي في إيالة تونس تُدار بآلية مغايرة تماماً، ركيزتها "المؤسسة الصارمة والمنفعة المتبادلة". فرغم أن طلائع الوفود بدأت منذ سنة 1016 هـ (1607 م)، إلا أن استقبال "عثمان داي" لهم كان قراراً استراتيجياً خالصاً فلقد كانت المملكة تعاني من نزيف ديموغرافي حاد جراء وباء الطاعون، وكان نظام "الديوان" العسكري التركي بحاجة إلى عنصر بشري مؤهل وعالي الولاء لموازنة القوى مع القبائل المحلية الثائرة في الداخل.
لذلك، جرى استيعاب الأندلسيين ضمن خطة توطين أمنية واقتصادية دقيقة تدعم مكانة الطبقة الحاكمة و عليه فقد وُجِّه الحرفيون والعلماء إلى العاصمة ليتأسس "حي الأندلس" وجامعها ومدرستها التعليمية قرب سيدي يونس، في حين وُزِّعت الكتلة الزراعية والحرفية على طول حوض وادي مجردة والوطن القبلي، ليعيدوا إعمار وتأسيس حواضر كبرى مثل تركي ، بللي، نيانو، سليمان، وزغوان، وتستور، وطبربة، ومجاز الباب، السلوڨية ، كريش الواد و عديد البلدات البنزرتية
هذه البيئة الآمنة والمستقرة مكّنت الموريسكيين من إحداث نقلة هيكلية في اقتصاد الإيالة؛ فنقلوا صناعة "الشاشية" من ركودها الحفصي القديم لتصبح الصادرات الأولى للمملكة، واستحدثوا "عجلات الكريطة" في النقل البري مما فرض تمهيد الطرق، وشيدوا البنية التحتية الحيوية كقنطرة وادي مجردة عام 1608 م. هذا التدفق المالي الضخم الناجم عن جهدهم أتاح لعثمان داي إلغاء المكوس والمظالم الجائرة عن السكان، وحوّل "شيخ الأندلس" إلى منصب رسمي ثابت ضمن سلك أعيان الدولة وديوانها السياسي.

إن الربط التحليلي بين الحادثتين يفرض حقيقة علمية واحدة و أن الكتلة البشرية الأندلسية التي أُبيدت وبُقرت بطونها في جبال الريف المغربي هي ذاتها الكتلة التي أحدثت ثورة زراعية وعمرانية وصناعية شاملة في إيالة تونس. والفارق الوحيد لم يكن في هوية المهاجر، بل في البيئة السياسية؛ حيث تسببت "فوضى السيبة" وغياب الدولة في المغرب في تحويل الهجرة إلى مذبحة، بينما نجحت "سلطة الدولة الحازمة" في تونس في تحويل ذات الهجرة إلى رافعة اقتصادية استأنفت بها المملكة عمراناً وثروة.
Bouchrif Ash

ماغون القرطاجي: سادن الأرض ومهندس المنظومة الفلاحية البونيةلم تكن الإمبراطورية القرطاجية مجرد قوة تجارية بحرية هيمنت على...
28/05/2026

ماغون القرطاجي: سادن الأرض ومهندس المنظومة الفلاحية البونية

لم تكن الإمبراطورية القرطاجية مجرد قوة تجارية بحرية هيمنت على حوض البحر الأبيض المتوسط وحسب ، بل أبعد من ذلك أسست لعمق استراتيجي متين قائم على الاكتفاء الذاتي والسيادة الغذائية، وهي المنظومة التي قعّد معالمها علمياً وعملياً المفكر والمشير القرطاجي ماغون (Magon le Carthaginois)، الملقب تاريخياً بـ «أبي الفلاحة» وهو عالم فذ وقائد عسكري من النخبة القرطاجية عاش بين القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، جمع بين الحنكة الاستراتيجية والمعرفة الموسوعية، وكرّس حياته لتحويل الزراعة في شمال إفريقيا من نشاط بدائي إلى علم تطبيقي منظم يقوم على العقلانية الاقتصادية وإدارة الأرض.

أثره ..
وتكمن القيمة الفائقة لأثره العلمي في موسوعته الضخمة المكونة من ثمانية وعشرين مجلدًا باللغة البونية، وهي الموسوعة الوحيدة التي أمر مجلس الشيوخ الروماني (Sénat) باستثنائها من الحرق والدمار إبان سقوط قرطاج عام 146 قبل الميلاد، بل وشكّل لجنة رسمية لترجمتها فورًا إلى اللاتينية بقيادة العالم ديكيوموس سيلانوس، وفق ما يوثقه المؤرخ الروماني "بلينيوس الأكبر" (Pline l'Ancien) في موسوعته الشهيرة «التاريخ الطبيعي» (Naturalis Historia).

منظومته ..
تعتمد منظومة ماغون الفلاحية على عقلانية اقتصادية صارمة تحول الأرض من مجرد حيازة عقارية إلى وحدة إنتاجية تدار بآليات شبه صناعية. تنطلق هذه الفلسفة من ركيزة الإشراف المباشر ورفض الإدارة الغيابية؛ حيث ينقل لنا الكاتب الروماني "كولوميلا" (Columelle) في أطروحته الاقتصادية «في الشؤون الريفية» (De Re Rustica) نصيحة ماغون الافتتاحية الحاسمة للوجهاء: «على من يشتري أرضًا ريفية أن يبيع داره في المدينة، كي لا تتحول الروابط الحضرية إلى عائق يمنعه من الانغماس في رعاية ملكيته الجديدة». هذا الانضباط الإداري رافقه تقسيم علمي دقيق للتربة والمناخ، وتطوير تكنولوجي لآلات العصر والري حوّل المقاطعات الإفريقية (تونس الحالية) لاحقًا إلى ما عرف بـ «مطمورة روما».

عبقريته ..
وتتجلى عبقرية ماغون التطبيقية في الأمثلة والنماذج العلمية التي ساقها في مجلداته، والتي أصبحت مراجع أساسية لعلماء المتوسط؛ إذ وضع قواعد صارمة لزراعة الزيتون والكروم تناسب مناخ جنوب المتوسط شبه الجاف. وقد استفاض العالم الفلاحي الروماني "فارون" (Varron) في كتابه «في الفلاحة» (De Re Rustica) في شرح تكتيكات ماغون الخاصة بغرس الأشجار، حيث حدد المسافات العلمية الدقيقة بين الشجرة والأخرى لضمان تهوية التربة وتشبع الجذور بأشعة الشمس، كما قدم أقدم التوصيات البيطرية في العالم القديم المتعلقة بتحسين سلالات الماشية، وخاصة البغال والأبقار، وطرق علاجها وتغذيتها.

هندسته ..

الهندسة الحجمية والمسافات بين الأشجار (Arboriculture) ..
لم تكن المسافات عند ماغون اعتباطية، بل استندت إلى حسابات دقيقة تتعلق بـ "معدل التبخر اليومي" وشح المياه في شمال إفريقيا، وضمان عدم تنافس الجذور على الرطوبة الجوفية حيث تجلت عبقريته في تقعيد تكنولوجيا هندسية صارمة للمسافات الزراعية؛ إذ حدد المسافة البينية لأشجار الزيتون بما يتراوح بين خمس وعشرين وثلاثين قدماً بين 7٫5 متر و 9 امتار موجهةً هيدروليكياً ومناخياً لضمان التدفق الحر للتيارات الهوائية وتلافي كمون الرطوبة الفطرية ،هذه المسافة تضمن عدم تداخل المظلات الشجرية (Canopy)، مما يسمح لأشجار الزيتون والكروم بالتعرض الكامل لأشعة الشمس طيلة النهار، وهو أمر حاسم لعملية البناء الضوئي وتجويد نسبة الزيت في الثمار. مع توكيده على ضرورة تعريض المظلة الشجرية لأقصى كفاف من الإشعاع الشمسي و ذلك من خلال نظام الزراعة المنطلق من شمال غرب الارض المراد غرسها الى جنوبها الشرقي .

واما في المضمار الحيواني، فقد صاغ ماغون أول بروتوكول "زوتقني Zoo-technique " في المتوسط لانتقاء فحول الماشية على أساس دلالات مورفولوجية دقيقة .. ابرز مثال على ذلك وضع ماغون لدليلٍ فيزيولوجي لإنتاج واختيار الثيران المعدة للعمل الفلاحي، وقد نقل "فارون" عنه وجوب أن يكون الثور :"عريض الجبهة، أسود العينين، ذو رقبة غليظة وعضلية، وقوائم قصيرة وقوية، وبطن مسترسل" لضمان قدرته على شق التربة الطينية الثقيلة في تونس و تركيزه على تهجين البغال (تزاوج الحمار بأنثى الخيل) نظراً لصلابتها وقدرتها على تحمل العطش وسير المسالك الجبلية الوعرة لقرطاج، ووضع قواعد جينية لاختيار الفحول الأفحل لضمان نتاج قوي البنية ومتين العضلات.

ولم يغفل ماغون الفلاح في نفس المضمار على مسألة العناية و المعالجة اللازمة لصحة الحيوانات اذ نجده ركز على استعمال القطران مثلا المستخلص من أشجار العرعر والأرز، ومزجه بزيت الزيتون العفن أو ثفل العنب، ودهن جلود الحيوانات به لمنع تكاثر القراد والجرب و هي العادة التي توارثها التونسي اجيال عن اجيال الى يوم الناس هذا لتلبية نفس الغرض . كما لم يغفل عن مسائل اخرى عدة منها المشاكل الهضمية التي يمكن ان تعاني منها المواشي متجليا ذلك في الحميات الغذائية التي استخلصها وضمنها في مؤلفه و تعتمد هذه الحمية كما اوردها الكاتب والفلاح الروماني "كولوميلا" (Columelle)، وتحديداً في المجلد السادس (Livre VI) من موسوعة «في الشؤون الريفية» (De Re Rustica) ، على خلط الشعير المجروش بالماء الدافئ وأوراق الكروم المجففة، ومنع الحيوانات المصابة بالنفخة أو التخمة من الرعي في المروج الرطبة في الصباح الباكر قبل جفاف الندى، لتفادي الاضطرابات المعوية القاتلة.

إن هذا الفكر المنظم لم يغب عن قراءات الاستشراق الحديث والبحث الأكاديمي المعاصر؛ إذ يؤكد المستشرق والمؤرخ الفرنسي "روبرت برونشفيك" (Robert Brunschvig) في دراساته حول البنية الاقتصادية لإفريقية، أن المنظومة الزراعية التي ازدهرت في العهود اللاحقة تمتد جذورها البنيوية إلى الإرث البوني الأصيل الذي قعّده ماغون. لقد أثبت ماغون عبر التاريخ أن حسم المعارك الحضارية لا ينطلق فقط من ثكنات الجيوش، بل تصوغه أولاً عبقرية التخطيط فوق تراب الأرض.
Bouchrif Ash

العيد كمناسبه دينيه تتباين ملامحها بين العامه والخاصه في العهد الحفصي في البلاد التونسيه ..لم تترك لنا المصادر الحفصية ا...
27/05/2026

العيد كمناسبه دينيه تتباين ملامحها بين العامه والخاصه في العهد الحفصي في البلاد التونسيه ..

لم تترك لنا المصادر الحفصية المعاصرة وصفاً إثنوغرافياً دقيقاً أو مفصلاً للأجواء الشعبية الخاصة بعيد الأضحى ،مثل طقوس الذبح في البيوت، أو عادات الطبخ، أو فرحة العوام بالمعنى الاجتماعي الدارج اليوم.
فلقد كان المؤرخون الحفصيون الرسميون (مثل ابن الشماع في «الأدلة البينة النورانية في المفاخر الحفصية»، أو الزركشي في «تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية»، أو ابن القنفذ القسنطيني) كانوا مؤرخي بلاط وسلطة. لذلك، عندما يذكرون مناسبة العيد، فإنهم يذكرونها فقط من زاوية "البروتوكول السلطاني والدبلوماسي"، فنجد اوصافا ترتقي لدرجة الدقة العالية لطريقة احتفال السلطان وحاشيته لإظهار هيبة الدولة وسيادتها.. في وسط اتّسم بالتنافسيه ومجتمع داخليا تميز بالانقسام والقبليه السائده ما يجعل الدوله كإدارة مركزية في حاجه دائما لاثبات وجودها وهيمنتها لضمان الولاء وفرض السيطرة .

بروتوكول الهيبة والسيادة ..

ان العيد عند السلاطين الحفصيين ،خاصة في فترات القوة مثل عهد المستنصر بالله وأبي فارس عبد العزيز، الشهير بالسلطان عزوز ، كان أداة سياسية لإظهار القوة والشرعية الخلافية خاصة بعد ان تحصلت تونس على بيعة الحجاز لتصبح مدينة ذات رمز ديني و دارا للخلافة الاسلامية .

ولقد كانت تفتتح المراسم بصلاة العيد والحشد العسكري قبلها حيث كان السلطان يخرج من قصره في قصبة تونس في موكب عسكري مهيب وعنيف بصرياً، اذ كانت صفائح الخيول تمر بجنبات المدينة فتدق احجار " الزرص" دقا مرفوقة بالوجق الموسيقي السلطاني المعلنة بدخول السلطان الطريق و يظهر السلطان محاطاً بحرس "العلوج" أي المماليك الاوروبين بأسلحتهم المصقولة، ويمشي إلى "المصلى" (الذي كان يقع غالباً خارج الأسوار عند باب المنارة أو باب عليوة). و يجب علينا هاهنا التنبيه الى أن خروج السلطان لم يكن لمشاركة العوام الفرحة بقدر ما كان لاستعراض القوة أمام الوفود الأجنبية و البعثات الدبلوماسية و رؤوس القبائل.

النحر ..

كان السلطان هو من يفتتح ذبح الأضحية علناً بعد خطبة العيد، وذبح أضحية السلطان كان يحمل رمزية دينية وسياسية؛ فبمجرد أن ينحر أضحيته، تطلق الإشارات (عبر قرع الطبول أو الأعلام من فوق أسوار القصبة) ليعلم أهل الحاضرة تونس أن السلطان قد ذبح، فيشرع الناس في الذبح تباعاً.
وكان يتم تحضير ما يسمى بسِماط العيد (المأدبة الملكية) بعد الصلاة والنحر . إذ يعود الموكب إلى القصبة حيث يُمد "السِماط" وهو مأدبة طعام فاخرة وضخمة جداً مخصصة لأعيان الدولة، والقضاة، والفقهاء، وشيوخ القبائل (مثل بني سُليم ورياح) لتجديد الولاء السياسي للسلطان، وتوزع في هذا اليوم "الخلع" (العباءات الفاخرة) والأموال على الشعراء والمادحين .

نوادر المجالس ..
ولعلنا لا نفوت في هذه المناسبة ذكر بعض مظاهر مثل هذه المجالس التي كانت تحفل بالأدباء و الشعراء و النُّظّار الذين يتنافسون في جنة مجلس صاحب السلطان للفوز بحضوته و جزيل عطائه مثل ما كان من أمر الشاعر الفيلسوف حازم القرطاجني (صاحب كتاب منهاج البلغاء وسراج الأدباء) و هو نجم مجالس القصبة. وكان المستنصر بالله السلطان محمد الأول في المقابل يحب استعراض فخامة بلاطه أمام وفود أوروبا وممالك و امارات و مشائخ القبائل في بلاد المغرب "شمال افريقيا" خاصة وأنه هو من لم يقنع بلقب السلطان لكي يعلن نفسه امير المؤمنين و خليفة المسلمين مزامنا ذلك بالفراغ الذي ساد العالم الاسلامي اثر تفتت ممالك الشرق و سقوط الخلافة العباسية في يد المغول .
فكان حازم القرطاجني مسعفه في مبتغاه هذا فيصعد وارتجالاً أو قراءةً يلقي مقصورته الشهيرة بـ"المقصورة المستنصرية"، وهي مَلحمة شعرية تعليمية وتاريخية ضخمة تزيد عن 1000 بيت، صاغها بالكامل على بحر "الرمل" وتنتهي بألف مقصورة ، أو كذلك يلقي قصائده الدالية التي يمدح فيها السيادة التونسية الحفصية و هي كما جاء في ديوان حازم القرطاجني عبارة عن ثلاث قصائد مطولة شهيرة (قوافيها حرف الدال)، تُمثل مجتمعةً ذروة ما سُمي بـ "السياسيات" في أدب البلاط الحفصي بتونس.
من النوادر الثابتة ايضا في مجالس الأعياد والمآدب الحفصية بقصبة تونس، هو التنافس الشرس والعداوة المبطنة بين الشعراء "البلْدية" (أهل تونس الأقدمين) والشعراء "الأندلسيين" الوافدين (الذين هجروا الأندلس بعد سقوط قرطبة وإشبيلية).
لقد كان شعراء تونس يرون أن الأندلسيين يستأثرون بمكافآت السلطان وخِلَعه في الأعياد بسبب أسلوبهم المنمق والحديث. تذكر الروايات التاريخية أن شعراء تونس كانوا يتربصون بالأندلسيين في المجالس؛ فإذا ألقى شاعر أندلسي قصيدة أمام السلطان وفيها لفظة غريبة أو لحن لغوي (خطأ نحوي)، يثب شعراء تونس علناً في المجلس لتخطئته أمام السلطان بهدف إفساد "الجائزة" عليه ومنع السلطان من مكافأته، مما كان يحول مجلس العيد الوقور إلى ساحة للمناظرات اللغوية الحادة والساخرة. و تذكر في المقابل المصادر انتشاء السلطان بهذه النوادر و الطرائف التي كانت تشبع مجلسه حيوية و حركية .
و في مايخص العطايا و المكافأة فيأتي كتاب الفارسية مثلا ذاكرا ان السلطان محمد المستنصر كان يأمر لشاعره حازم في هذه المناسبات بـ "بدرة من الذهب" (كيس مملوء بآلاف الدنانير الذهبية)، بالإضافة إلى "الخلعة السلطانية"، وهي عباءة فاخرة من الحرير المنسوج بالذهب لا يرتديها إلا خاصة الخاصة، مما كان يثير غيرة بقية شعراء الحاضرة تونس. ومن الأبيات التي تصف هيبة مجالسهم قول حازم في مدح المستنصر:
حَمى حَوزَةَ الإِسلامِ بِالبيضِ وَالقَنا ... وَأَشرَقَ مِنهُ المَجدُ في كُلِّ مَشهَدِ

مظاهر العيد عند أهل السلطنة..

لم تأتي المصادر والمراجع المختصة كما اسلفنا بدقة على ذكر مظاهر العيد عند أهل سلطنة تونس و التي امتدت ايامها من مدينة درنة الليبية اليوم الى احواز مدينة تلمسان الجزائرية و مابعد نواحي غدامس الليبية و ذلك إما لبعد المسافات و مشقة التنقل و الذي أقل من انتشار أدب الرحلة غير ما نعلمه مثلا من رحله التيجاني الشهيره والمعاصره او لانشغال أدباء العصر بالتوثيق البلاطي كما اسلفنا .

مع ذلك، ومن خلال غربلة هذه المصادر الرسمية وربطها بنصوص الفقهاء مثل فتاوى البرزلي والونشريسي في «المعيار المعرب» التي كانت تعالج مشاكل الناس الواقعية في الأعياد، يمكننا تركيب صورة حقيقية وعالية الدقة لأجواء عيد الأضحى في العهد الحفصي في حواضر السلطنة و بواديها مركزين على حاضرة مدينة تونس دار السلطنة فنجد في هذه المصادر اثرا يخبر عن المجتمع التونسي الحفصي بأنه كان مجتمعاً طبقياً بامتياز. فكانت الأسر الغنية والأعيان يحرصون على ذبح الأضاحي الفارهة كنوع من الوجاهة الاجتماعية أولاً، والتقرب الديني ثانياً. أما الفقراء والمساكين في الحواضر، فكانوا يعتمدون على الأوقاف الإسلامية ( الحبُسْ) والصدقات التي يخرجها الأعيان والتجار، حيث كانت تذبح أضاحي عامة توزع لحومها على المساجد والزوايا (مثل جامعي الزيتونة و القصبة او كذلك زاوية سيدي بلحسن الشاذلي أو سيدي محرز) لضمان حصول الطبقات المسحوقة على اللحم. مع ذلك لم تخلو مثل هذه المناسبات من القلاقل و المخالفات التي تقع خاصة في الاسواق و عند التقاء مختلف طبقات مجتمع الدولة الحفصية المتباينة .
فتذكر لنا النوازل الفقهية للبرزالي مثلا حدث يقع بصفة دورية قبيل عيد الأضحى في تونس العاصمة حيث أن الأيام التي تسبق عيد الأضحى في تونس كانت تشهد ضغطاً اقتصادياً هائلاً. فكانت القبائل البدوية المحيطة بالعاصمة تصب آلاف الأغنام في أسواق الحاضرة (في رحبة الغنم تحديدا). هذا التجمع كان يخلق توترات أمنية واحتكاكات بين "البلدية" (أهل المدن المختلفة) وبين البدو ، وكان المحتسب (المراقب الاقتصادي للدولة) يتدخل بصرامة لمنع الغش في الأضاحي أو احتكار الماشية ورفع الأسعار.
كذلك نجد في بعض المصادر و كتابات الفقهاء استنكاراً لبعض سلوكيات العوام في العيد؛ مثل اختلاط الرجال والنساء في المصليات، أو المغالاة في اللهو واللعب بالأسلحة (الفروسية واستعراض البارود) في أيام التشريق، والتي كانت تتحول أحياناً إلى مشاجرات دموية بين الأحياء أو القبائل داخل المدينة، مما يدفع والي المدينة لحظر بعض هذه الأنشطة.
خلاصة فانه من الممكن القول بأن مناسبة عيد الأضحى لم تكن مجرد "أجواء دافئة" كما نتخيلها اليوم فحسب، بل أبعد منه كان حدثاً هيكلياً معقداً فبالنسبة للدولة هو استعراض سياسي عسكري بامتياز، وبالنسبة للمجتمع هو موسم اقتصادي واجتماعي ضاغط يختبر قدرة السلطة على ضبط الأمن وقدرة الأسواق على توفير القوت، وقدرة المؤسسات الدينية (الأوقاف والزوايا) على استيعاب الفقراء وتفادي الاضطرابات.
Bouchrif Ash

المستنصر بالله و لويس التاسع .. معركة الحسم عندما قرر الفرنجة المسيحيين تغيير الواجهة الحضارية و الثقافية للسواحل الجنوب...
26/05/2026

المستنصر بالله و لويس التاسع .. معركة الحسم

عندما قرر الفرنجة المسيحيين تغيير الواجهة الحضارية و الثقافية للسواحل الجنوبية للمتوسط في مايعرف بالحملة الصليبية الثامنة و ذلك بغرض تمديد العمق الأمني و الدفاعي للامبراطورية المسيحية الافرنجية وبغية الحضوة الكنسية .

ففي الواقع تعتبر الحملة الصليبية الثامنة (668 هـ / 1270 م)، والتي دارت رحاها على أعتاب مدينة تونس، محطة استراتيجية فارقة في الصراع الإسلامي المسيحي خلال العصور الوسطى ، حيث لم تكن هذه المواجهة مجرد حدث عسكري عابر، بل كانت تجسيداً لصدام الإستراتيجيات بين الطموح الفرنسي الساعي لتغيير موازين القوى في حوض البحر الأبيض المتوسط، وبين العمق الدفاعي للدولة الحفصية الناشئة في إفريقية تحت لواء السلطان أبي عبد الله محمد المستنصر بالله.
والى جانب ذلك فلقد كان المرجو من هذه الحملة تطويق الجيوش الاسلامية في الشرق المحاذية للامارات الشامية الصليبية بغية مآزرتها عسكريا و معنويا.
ولكن هذا المبتغى انطلق بايعاز من ملك مملكة نابولي و شقيق لويس التاسع ملك فرنسا الإفرنجية ففي الوقت الذي غفل لويس التاسع عن رغبة اخيه و كانت مطامعه اقتصادية بحتة بمحاولة اخضاع السلطنة الحفصية و اجبارها على دفع الجزية له بعد ان كانت تدفع سابقا لملوك النورمان و التي كذلك انقطعت بعد سقوط الأسرة الهوهنشتاوفنية La maison de Hohenstaufen التي سيطرت على كل المانيا و النمسا تقريبا و ما جاورها من امارات و دوقيات صغيرة و على اجزاء واسعة من الخارطة الايطالية بما فيها صقلية و نابولي .
اعتُبرت تونس في الفكر العسكري الصليبي آنذاك بمثابة القاعدة الخلفية والتموينية لمصر المملوكية؛ واحتلالها يعني قطع خطوط التجارة والإمداد، وتأمين موطئ قدم حصين لشمال إفريقيا. و هو ما دعم الرغبة الجامحة في الاستيلاء على سلطانها و هو المحرك الاصيل ايضا للشائعة التي دارت في البلاط الملكي الفرنسي والتي مفادها أن السلطان المستنصر بالله يميل إلى اعتناق المسيحية إذا وجد دعماً عسكرياً يحميه من جيرانه ومن منافسيه الداخليين، وهو ما دغدغ الطموح الديني للملك لويس التاسع

واقعة الزحف و الالتقاء

وفق ما نقله المؤرخ التونسي ابن خلدون في كتاب العبر، والمؤرخ المعاصر للحملة جيوم دي نانغيس (Guillaume de Nangis) في حوليّاته، فإن حجم القوات الصليبية كان ضخما بالنظر للواقع الديمغرافي لتلك الحقبة و التموضع الجغرافي للبلد الغازي مقارنة بموقع تونس فلقد ضم النخبة من فرسان فرنسا، والبحارة الجنوّيين والبنادقة، وفرسان المعبد (Templars) والاسبتارية، وتجاوز عدد القوات 10,000 محارب نظامي (وتذكر بعض المصادر الغربية أرقاماً أعلى تصل إلى 15,000 مع المجدفين والأطقم المساعدة) محملين على أسطول ضخم رسى قبالة قرطاج في 18 يوليو 1270 م
فيما تألف الجيش التونسي الحفصي من جند الدولة النظاميين، تتقدمهم فرق عسكريه منظمه من "الأندلسية" (المهاجرون الأندلسيون ذوو الخبرة العسكرية العالية)، وحرس السلطان الخاص من العلوج (وهم المماليك البيض اولئك الذين يتم استجلابهم من اوروبا في اطار تجاره الرق وتربيتهم على العادات والاداب الاسلاميه فيكبرون وينشؤون مسلمين وهذا النظام يقابل نظام الدوشيرما العثماني )، إلى جانب النواة الصلبة من المتطوعين من القبائل البدوية العربية (بنو سُليم وهلال ورياح ) والقبائل البربرية المحلية، فضلاً عن مجاهدي الحواضر التونسية ( أبناء البلْديّة في العاصمة و المدن المماثلة) الذين هبوا للدفاع عن العاصمة السلطانية .

الصدام ..

تم الانزال العسكري قبالة سواحل منطقتي سيدي بوسعيد و قرطاج ولقد اظهر الصليبيون تفوقا عسكري و تكنولوجي فارق مقارنة باعدائهم المسلمين ما جعل السلطان الحفصي يلتجئ لحيل اخرى لكي يستطيع السيطرة على زمام امره.
بناءً عليه، طُبِّقت إستراتيجية "المناوشة والاستنزاف" (حرب العصابات الخاطفة) وتجنب الالتحام المباشر الشامل.
الاعتماد على الخيالة الخفاف (خاصة من القبائل) لشن غارات خاطفة ومركّزة على أطراف المعسكر الصليبي، ثم الانسحاب السريع لإيقاع أكبر عدد من القتلى وجرهم إلى عمق الأراضي السبخية (السيجومي والبحيرة).
فرض حصار بري محكم لمنع الصليبيين من التوغل نحو أسوار مدينة تونس أو الحصول على مياه عذبة ونقاط تموين برية، مما أجبرهم على الاعتماد الكلي على التموين البحري القادم من صقلية .
لقد ساعدت الظروف التي احيط بها الجيش الفرنسي الصليبي من شح المياه وقطع الامدادات و تراكم القمامة في تعجيل سقوطهم في يد الجيش التونسي الحفصي حيث تفشي وباء الدوسنتاريا (الزحار) والتيفوئيد ( مرض المنعولة في الثقافة الشعبية التونسية) في صفوفهم.
وكان من أبرز ضحاياه الأمير جان تريستان (ابن الملك)، ثم تلاه الملك لويس التاسع نفسه، الذي وافته المنية في معسكره بقرطاج في 25 أغسطس 1270 م، وهو الحدث الذي شكل ضربة قاصمة لمعنويات الصليبيين وأنهى قدراتهم الهجومية.

"توقف القتال وبدايه المفاوضات "

بعد وفاه لويس التاسعه وابنه وانحطاط معنويات الجيش الفرنسي الصليبيه وصل اخيرا الى تونس خليفة لويس التاسع أخيه شارل الأول أنجو (Charles Ier d'Anjou) و طلب التفاوض و هو ما دعمه رأي السلطان الحفصي و قادة جيشه الذين خشيو من طول امد الحرب و انهاك السلطنة اقتصاديا فيما كانت خشية الصليبيين من الفناء بعد الخسائر الكبيرة في القوة و القدرة العسكرية والمعنويات

" معاهده تونس "

أفضت تلك المفاوضات الشاقة إلى توقيع "معاهدة تونس" التاريخية في الحادي والثلاثين من أكتوبر 1270م (الموافق لثالث عشر ربيع الأول 669هـ)، والتي صاغت شروطها انتصاراً سياسياً ومالياً باهراً للمستنصر بالله، وهو ما توثقه بدقة المصادر الحفصية الرسمية ككتاب «الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية» لابن القنفذ القسنطيني، إلى جانب كتاب «تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية» للزركشي، حيث نص الاتفاق أولاً على الجلاء العسكري الكامل وإخلاء منطقة قرطاج وانسحاب كافة القوات الصليبية في غضون خمسة عشر يوماً.
كما ألزمت المعاهدة الحملة بدفع غرامة حربية وتعويضات مالية ضخمة للخلافة الحفصية بلغت نحو 210,000 أوقية من الذهب لتغطية نفقات الحرب؛ وهو البند المالي الضخم الذي تتقاطع في تفصيله الروايات الإسلامية مع الحوليات الفرنسية واللاتينية المعاصرة مثل كتابات جيوم دي نانغيس (Guillaume de Nangis). وتكفلت المعاهدة كذلك بتنظيم الامتيازات التجارية المتبادلة عبر تأمين حرية التجارة للمسيحيين في الموانئ الحفصية ومنح نفس الحقوق للتجار التونسيين في صقلية وجنوب إيطاليا، مع السماح للرهبان بممارسة شعائرهم داخل قنصلياتهم دون تبشير؛ وهي الشروط الدبلوماسية الدقيقة التي حللها وبحثها المستشرق الفرنسي روبرت برونشفيك في أثره الأكاديمي «تاريخ إفريقية في عهد الحفصيين»، مؤكداً كيف حوّلت تونس انكسار الغزاة عسكرياً إلى مكسب اقتصادي وسياسي كرس سيادتها في المتوسط لعدة قرون لاحقة .

By Bouchrif Ash

Address

3 Rue De Tyr
Tunis

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when قناة حكايات تونسية منسية posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Business

Send a message to قناة حكايات تونسية منسية:

Shortcuts

Share