09/08/2026
من مأثر الأمير المؤسس حسين الاول بن علي صاحب مملكة تونس في مدينة القيروان
لقد عرف عهد مراد الثالث الملقب بـ"مراد بوبالة" عهدا دمويا ملؤه الخراب الحقد على اهل البلد بل و على كل من قابل الأمير في اي حال من احواله ان كان سعيدا فانه يعبر عن سعادته بالقتل و التعذيب وان كان غضبانا فالأمر أتعس و اعسر على من كان عليه الدور و لم ينجو من سمه لا شيخ و لا طفل و لا حرم و لا مقام و في السياق فقد قام بتدمير عدة اماكن من بينهم مدينة القيروان فقد تركها خاوية على عروشها و اجلى سكانها لا يلوون على شيء جراء الجور و البطش الذي نالهم منه ولم تعرف هذه المدينة عمارا بعد الخراب الذي طالها الا مع طلوع شمس الأمير حسين بن علي مؤسس الدولة الحسينية الذي كسر شوكة الجزائريين و حد من جور القبائل و اعاد اعمار البلاد وفي هذا السياق يسترسل محمد الصغير بن يوسف التركي في ذكر محاسن هذا الملك في هذه المدينة
فـ"بعد بضعة أيام من توليه الحكم، انطلق حسين باي مع محلة الشتاء، وفقاً لعادات الأمراء الذين سبقوه. وصل إلى القيروان دون أن يُتوقع وصوله، فلم يجد فيها سوى مدينة مليئة بالركام والأنقاض، تبكي على حدائقها المدمرة و تتأوه على معالمها وقصورها المهجورة.
فنظر إليها بعين العناية وأحاطها بذراع إحسانه حيث بدأ بإعادة بناء سورها، وكرّس لهذا العمل كل عنايته وجهده ونشاطه.
كانت النفقات الهائلة التي سخرت لهذه البناءات مدفوعة من أمواله الخاصة، ولم يساهم فيها أي شخص آخر بأي قدر كان ولو ضئيل ! .
لقد تكفل بكل شيء، بما في ذلك أجور العمال والمهندسين؛ وقد انتهى هذا العمل في غضون عام؛ وعلى الرغم من هذه المدة القصيرة، إلا أنها تحفة فنية، ولم تشهد المدينة من قبل أسواراً مماثلة. ومن قبيل الصدفة العجيبة، كان يوم عرفة هو يوم بدء البناء، وهو نفس اليوم الذي هُدمت فيه المدينة على يد مراد بوبالة الذي كان سببا في خرابها
بعد ذلك، انشغل بإعادة إعمار المدينة وإعادة الحياة إلى مساجدها، وأحياءها، ومنازلها، ودكاكينها، وأسواقها. فاستقطب إليها سكاناً من جميع البلدان، استقروا فيها وأقاموا مباني متقنة لدرجة أنها غيرت مظهرها بالكامل. فإعمرت المدينة بشكل ملحوظ واستعادت ازدهارها القديم. وكانت هذه أيضاً مناسبة لنفقات باهظة تكبدها بنفسه للحصول على الجزاء الإلهي.
وفي القيروان، قام الأمير حسين بن علي بترميم أكثر من خمسين مسجداً، ولم يقتصر على إصلاحها، بل زودها بالحُصُر، والزيت، وما شابه ذلك، مما ضمن صيانتها لتبقى مأهولة بالرواد.
ولا يمكن إحصاء قبور الأولياء والزوايا التي رمّمها وأدخل عليها ترتيبات جديدة. وهکذا، أعطى تصميماً جديداً للمُصلى ،لتتفرد المدينة بذلك عن الخراب الواقع خارج المدينة.
وقد أمدّ سقاية هذا المُصلى بالمياه لتكون نافعة للمسلمين. ثم اشترى بماله الخاص، للغرض نفسه، ثلاثة آبار مياه عذبة مع مشاربها، وجهز هذه الآبار بآلات لرفع المياه، وعيَّن عدداً من الأشخاص لصيانة هذه المنشأة. وخصّص لصالح هؤلاء الأشخاص وقْفاً (حبساً) ورصد اعتمادات لصيانة هذه الآبار، لتبقى هذه المؤسسة قادرة دائماً على تقديم الخدمات للفقراء والمحتاجين.
كما قام بإصلاح، من أمواله الخاصة، السقاية المنسوبة إلى يوسف باي، الواقعة في سوق الساحة، وأمّن تزويدها بالمياه. كانت هذه النافورة قد دُمرت، فأعاد بناءها لتكون أجمل مما كانت عليه. فلم يفوت أبداً يوماً أو ليلة دون أن يوسمها بعمل خيرٍ جديد.
ويُعزى إليه بناء وافتتاح المدرسة الجديدة، وهي الأكثر أناقة وجمالاً في المدينة. فقد أسس فيها درسين، يُقام أحدهما في الصباح والآخر في نهاية اليوم. ووُضِع في هذه المدرسة أستاذ مكلف بتعليم القرآن للأطفال المسلمين، وشيخ لقراءة القرآن.
ثم بنى جوارها، للتجار، سوقين مع عدة من الدكاكين، والتي جُعلت تحبيساً (وقفاً) لصالح المدرسة، بالإضافة إلى عقارات أخرى مبنية وغير مبنية. وتم تخصيص إعانات أو مرتبات أكثر من كافية لصيانة الطلاب وأستاذ قراءة القرآن."
Bouchrif Ash